الصحة النفسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

الصحة النفسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

في هذه التدوينة تناقش شمايلة عثماني العوز في بيانات وبحوث الصحة النفسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتبحث في مستقبل التخطيط للصحة النفسية ووضع السياسات لها.(ترجمته للعربية زينة المحايري)

تصيب الاضطرابات النفسية أكثر من 10% من السكان حول العالم، 1 على الرغم من ذلك فإن معظم المعانين من هذه الاضطرابات لا يتلقون العلاج بقدر ما هم بحاجةٍ إليه. ويعود ذلك إلى نقص التمويل، إضافةً إلى خوف المصابين من الوصم، وهو أمر شائعٌ في هذا النوع من الاضطرابات.

وعلى الرغم من وجود حملاتٍ استخدمت طرقاً خلّاقةً لتجعل الناس تتحدث عن صراعاتهم ببيئة آمنة، مثل Time to Changeو Big White Wall، فإن حملات كهذه لا تزال محدودة.

عادةً ما تكون الحملات والنماذج الطبية المستخدمة لتقييم وعلاج المرضى مطورةً ومصممةً أصلاً في البلاد الغربية، وهي غالباً يتم تكرارها في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط دون تغييرات موضوعية تم تقييمها بحثياً.

ومن الضروري هنا أن نؤكد أن الصحة النفسية باتت قضيةً عالميةً، فهي تحتل حالياً المرتبة الخامسة في مسببات الأمراض غير السارية. وتسبب مشاكل الصحة النفسية إعاقاتٍ وتكاليف باهظة تقدر بحوالي 2.5 تريلليون دولار (2010).2

أظهرت الأبحاث حديثاً أن الجهازين العصبي والمناعي مرتبطين ببعضهما بطريقةٍ لم تكن أبعادها مدركةً من قبل. إذ وجد الباحثون في هذا المجال، الذي يطلق عليه علم المناعة العصبي النفسي، صلةً مباشرة بين الشدة النفسية والمرض العضوي. حيث تسبب الشدّة النفسية أهبةً كبيرةً لنقص المناعة. وهذا وحده كافٍ لجعل الصحة النفسية أولوية من أجل صحةٍ أفضل.

وليست منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا  بمعزل عن هذه المشاكل أو محصنةً ضدها. يشير الدكتور زياد قرنفل، الطبيب النفسي المشهور من معهد Weill Cornell Medical College قطر، إلى أن إحصائيات الأمراض النفسية لا تتفاوت كثيراً بين دولة وأخرى ولا سيما بمقارنتها بالحالة الاقتصادية الاجتماعية، ولا تبدو الدول العربية مختلفةً في هذا الصدد. 3

وقد أثبت الدراسات من لبنان ومصر هذه الحقيقة، حيث يبدو الفرق الأساسي بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدول الغربية  هو الفرق في كمية الأبحاث المجراة حول مسببات الاضطرابات النفسية. إذ نجد أن اختصاصيي الصحة النفسية في الغرب لديهم من البيانات القدر الذي يساعدهم في فهم مظاهر معظم الاضطرابات النفسية.

في حين أننا نجد ذلك بعيداً كل البعد عن الواقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فكما هو الحال في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، يمكن ملاحظة ما يحيط الأمراض النفسية من الوصم والإهمال المتفشي. 3 إضافةً إلى ذلك فإن المنطقة تتصف باقتصادات متفاوتة، وبتفاوت في الاستقرار وفي الثقافات. تتضافر هذه العوامل لتجعل تعميم البيانات المتوفرة؛ مع محدوديتها؛ أكثر صعوبةً.

أين يكمن مستقبل الصحة النفسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

أطلقت منظمة الصحة العالمية WHO خطة عملٍ شاملة خاصة بالصحة النفسية في 2013، جاءت نتيجة مشاورات عالمية ومناطقية مكثفة. ورد في خطة العمل العالمية أن على الدول “تقديم خدمات الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية، بحيث تكون شاملة ومتكاملة ومتجاوبة مع المتطلبات، وبناءً على حاجة المجتمع”.4 وفي معرِض تحديد التقرير للإجراءات الرئيسة التي يمكن لصانعي القرار والشخصيات المؤثرة اتباعها، ركز التقرير على:

1)    الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية: عبر تمكينهم، واكتشاف حالاتهم باكراً للتقليل من الوفيات المبكرة.

2)    اختصاصيي الصحة النفسية: عبر بناء القوى العاملة المتنوعة، وتشجيع النهج القائم على التشاركية والفرق متعددة الاختصاصات.

3)    الابتكارات التقنية التي تحسّن الوصول إلى الرعاية الصحية.

بناءً على خطة العمل هذه، قام ثلاثة من أشهر باحثي الصحة النفسية على مستوى العالم ومن المدافعين عن سياساتها وهم الدكاترة Vikram Patel, Mary De Silva and Shekhar Saxena بوضع أربع توصياتٍ محليةٍ وعالميةٍ أثناء القمة العالمية للابتكار في الصحة (WISH) المنعقدة في قطر، هذه التوصيات هي:

1. دعم حقوق الإنسان ونشر الممارسات المناهضة للتمييز.

2. تطوير سياسات الصحة النفسية وخطط العمل الخاصة بها.

3. الالتزام بتأمين الموارد المالية اللازمة للسياسات وخطط العمل تلك.

4. الاستثمار والترويج للأبحاث والتقييم من أجل تحسين الرعاية.

يشكل الإصلاح في نظام الصحة النفسية؛ على المستويات السابقة؛ أفضل أرضيةٍ لتغيير المفاهيم الحالية. إضافةً إلى تنفيذ برامج الوقاية والترويج جنباً إلى جنب مع هذا الإصلاح، أو عقبه مباشرةً. 5

من الضروي أن تركز الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الإصلاح كأساس، مع إظهار أهمية الصحة النفسية، وإحداث خطط العمل والتشريعات اللازمة ودمجها في الخطط الصحية الوطنية، وبطريقة مشابهة لما تحظى به باقي المشاكل الصحية من اهتمام. سنسلط الضوء في مدونات قادمة على بعض دول المنطقة والتي بدأت بالفعل بشق الطريق نحو إصلاحاتٍ على مستوى الدولة.

وبالعودة إلى توصيات Patel, De Silva and Saxena وتوصيات منظمة الصحة العالمية سنلاحظ أن الجمهور المستهدف بكلتيها واضحٌ للعيان: صنّاع القرار وغيرهم من الشخصيات المؤثرة، إنهم هم اللاعبون الأساسيون في الدعوة للتغير على أعلى المستويات.

يمكننا القول إذاً أن الصحة النفسية في الحقيقة هي قضية الجميع، ويجب عدم تقويض قوى الآخرين. هناك مجالٌ واسعٌ من المستفيدين في هذا السياق بما فيهم: المصابون باضطرابات في الصحة النفسية، وعائلاتهم، والباحثون، ومقدمو الخدمات، والشخصيات الهامّة في الثقافة المحليّة كالمصلحين الدينيين مثلاً، إضافة إلى صنّاع القرار. وعلى جميع هؤلاء العمل معاً من أجل التنفيذ والاستثمار والشروع بتغييرٍ طويل الأمد.

المراجع:

  1. Whiteford, H., A. L. Degenhardt, J. Rehm, et al. Global Burden of disease attributable to mental and substance use disorders: findings from the Global Burden of Disease Study 2010. Lancet 2013
  2. Bloom, D. E, E.T. Cafiero E, Jane-Llopis et al. The global economic burden of non-communicable diseases. W.E. Forum, Editor. 2011:Geneva.
  3. http://www.nature.com/nmiddleeast/2012/120724/full/nmiddleeast.2012.103.html
  4. World Health Organization. WHO Comprehensive mental health action plan 2013-2020. Sixty-Sixth World Health Assembly. Resolution WHA66/8. World Health Organization. Editor. 2013.
  5. http://www.wish-qatar.org/app/media/381 

Submit a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *